عمار مطاوع صحافة · إعلام رقمي · أفكار
ع
أدوات المقال
 صراع أفكار لا أجيال
مقال · مقالات حرة مقالات حرة

صراع أفكار لا أجيال

لم يجب فرعون على سؤال موسى، لكنه شتمه، وانتظر أرباب القصر غضبة موسى -وكان غضوبا-، لكن موسى تجاهل سباب فرعون ليكمل فكرته: يا فرعون.. "رب المشرق والمغرب

عمار مطاوع

— دقائق قراءة — كلمة قراءة متتابعة متاحة
ذات يوم، وقف موسى، عليه السلام، في قصر فرعون في مناظرة يشهدها نخبة من الشعب المصري وأرباب القصر أنذاك، كان موسى واثقا للغاية من انتصاره، وكان فرعون يعلم هذا جيدا، لذلك فقد وضع فرعون خطة لحسم الأمر لصالحه.

تبدأ المناظرة، ينادى موسى: يا فرعون.. إني رسول الله.. "ربكم ورب أبائكم الأولين".. يتلعثم فرعون أمام نظرات موسى، يدير وجهه إلى قومه صارخا فيهم: هل تصدقونه أيها الشعب.. "إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون".. إنه مجنون!

لم يجب فرعون على سؤال موسى، لكنه شتمه، وانتظر أرباب القصر غضبة موسى -وكان غضوبا-، لكن موسى تجاهل سباب فرعون ليكمل فكرته: يا فرعون.. "رب المشرق والمغرب وما بينهما إن كنتم تعقلون".. وهكذا يتوجه موسي بحديثه إلى القوم.. لقد اختارهم فرعون حكما، وله ما أراد.

وهنا، يدرك فرعون أنه لا أمل في المقاومة، موسي قدير، سينتصر لأن حجته أقوى. بدأ أرباب القصر يتهامسون أن الفرعون سينهار، يصرخ فرعون: يا موسي.. "لئن اتخذت إلها غيري لأجعلنك من المسجونين".. إنها نهاية القصة.

فرعون الذي بداخلنا

"جيلكم ساكت ولا عمره اتكلم.. دلوقتي جاي ينظّر ويعلّم".. هكذا يختزل طيف من جيل الشباب تصورهم عن الوضع الذي منيت به الساحة المصرية منذ الانقلاب العسكري. فالأمر عندهم لا يعدو جيلا تربى في أحضان القهر منذ جيل عبد الناصر حتى المخلوع، يقفون باستماتة ضد أحلام جيل شاب يسعي لمستقبل أفضل.


الحقيقة أن هذا التصور خاطئ تماما.. فالصراع لم يكن أبدا بين "جيلين"، وإنما بين مباديء وأفكار وتصورات عن الحياة والحق فيها، يتساوى في هذا الأمر من كان شيخا أو شابا. لا علاقة للأعمار هنا بتوصيف الصراع.

يتذكر الشباب دائما صورة العواجيز المتراصين أمام لجان الانتخابات إبان مسرحية تنصيب السيسي، لكنهم يتنساون أن البلطجية الذين يهاجمون المسيرات كل يوم، هم شباب، وربما أطفال.


تستدعى ذاكرة الجيل الصغير صورة الشباب وهم يتصدون للشرطة في جمعة الغضب إبان يناير الأولى، لكنهم يتناسون أن أغلب من يسقطون اليوم شهداء في السجون والمعتقلات هم شيوخ كبار مرضي، كان بإمكان الكثير منهم أن يعيش هانئا مطمئن البال بدل أن يقبع خلف زنزانة، لكنه اختار طريق الحق، الذي ظن الشباب أنهم يحتكرونه.

شباب الحركة الإسلامية

وللأسف الشديد، تسربت تلك الحالة التي ترى الجيل العجوز عدوًا، إلي شباب الحركة الإسلامية، وفي القلب منها شباب جماعة الإخوان. لا يتسطيع بعضهم أن ينكر ذلك الحماس التلقائي للانتقاد حين يخرج بيان من قيادة عجوز، بينما لو حمل هذا البيان، هو هو، توقيع قيادي شاب، لاستحق منه بعض القراءة والتمعن والتفكير.

لنكن أكثر صراحة، بعض القيادات بالفعل تصر على أن تعرض أفكارًا لا يمكن تحملها، وتفضح ذلك البعد التام عن الواقع لدى تلك العقليات، لكن من قال إن الأمر مرتبط بالسن؟ هل ابتعد ذلك القيادي العتيق عن الواقع لأنه عجوز وحسب؟


إنها أفكار.. يحملها من يحملها، عجوزا كان أوشابا.. وعلي تلك الأفكار يجب أن تنطلق حربك، لا علي الشخوص الحاملين لها، اللهم إلا إن كانت الفكرة متجسدة في شخص، كإسقاط القومية في شخص عبد الناصر.


إن هجومك على القائل لا يزيد عن كونه ضعفا يمتلكك على أن تعرض فكرتك الأصيلة، إنك فرعون صغير، ربما لا يكون خصمك "موسى"، لكنك تعطيه فرصة سانحة ليكون.


هاجموا الأفكار، أبدعوا في إسقاطها، ابتعدوا عن الشخوص، فللشخوص متعصبون، وللأفكار حجج ودلائل.. لا تصدقوا أن الصراع صراع "أجيال".. إنه صراع "أفكار".