عمار مطاوع صحافة · إعلام رقمي · أفكار
ع
أدوات المقال
 حكايتي في عالم الإنترنت(1): ضربة البداية - أحمد ديدات!
مقال · أيام من حياتي أيام من حياتي

حكايتي في عالم الإنترنت(1): ضربة البداية - أحمد ديدات!

صديقي محمد أقنعني أن الإنترنت به آلاف الكتب والكتيبات .. وأن الجاهل هو ما لا يعرف الإنترنت .. وأنه لا بد وأن يكون لدي "إيميلا" علي الأقل..

عمار مطاوع

— دقائق قراءة — كلمة قراءة متتابعة متاحة

في صبيحة يوم من أيام السنة الأولى الإعدادية.. كانت المرة الأولى التي أدخل فيها إلى عالم الإنترنت..

والإنترنت حسب تعريفات الكبار وقتها، كان مكانا للفاشلين والضائعين.. كان مكانا للأفلام الإباحية وصور الفتيات العاريات..

بعض المحافظين وجدوا لأنفسهم طريقا آخر في عالم الإنترنت.. فكان شات "ياهو" وجروباته ملاذا لهم للانحراف دون الوصول للحد الأقصي الصريح..

الشاهد من هذا كله أن روايات الأصدقاء كانت كلها تؤكد ما يحكيه الكبار عن عالم الإنترنت .. لا شيء سوي الفتيات .. إما صداقات أو عرايا.. هكذا كانت قصص الأصدقاء عن مغامراتهم في عالم الإنترنت..

كان هذا سببا كافيا في عزوفي عن ذلك الميدان (الذي لم يكن له مكان إلا في السايبر رغم امتلاكي جهاز كمبيوتر في منزلنا، فلم نكن قد وصلنا لتقنية توصيل الإنترنت للمنازل بأسعار منطقية بعد).. حتي تغير كل هذا يوما..

صديقي محمد أقنعني أن الإنترنت به آلاف الكتب والكتيبات .. وأن الجاهل هو ما لا يعرف الإنترنت .. وأنه لا بد وأن يكون لدي "إيميلا" علي الأقل..

هكذا تم اللقاء الأول..

بعد انتهاء درس الإنجليزية ..ذهبت مع محمد إلي السايبر المجاور لباحة درسنا..

شعوري يوما لا أستطيع وصفه .. شعور من يقدم علي السرقة لأول مرة في حياته .. كنت أتلفت يمينا ويسيرا وأنا في الطريق خشية أن يراني أحد.. كان شعورا قاهرا بالجريمة والخيانة..

وصلنا أخيرا إلي تلك الشقة الواسعة التي يزينها لافتة كبيرة مكتوب عليها: سايبر بلادي .. كان مكتظا بالتلاميذ للغاية جدا .. وكان علينا الانتظار حتي يفرغ إحدى أجهزة المكان..

في وقت الانتظار.. اصطحبني محمد في جولة خلف أجهزة القاعدين.. وكان الأمر كما حكاه الكبار تماما..

لمحت عيني يومها صورة أول فتاة عارية في حياتي .. كان التلاميذ يتحلقون حول الجهاز بينما صاحبهم (الماهر في عالم الإنترنت) يستخرج لهم صورا من مواقع أجنبية.. وكان صاحبهم هذا ماهرا حقا!

المشكلة أن صاحب السايبر لم يشعر بأي غضاضة مما يحصل .. كان يجلس علي مكتبه خارج الغرفة وهو يدير ظهره (عامدا) كي لا يري ما يفعله الأطفال.. بيد أن هذا كان مصدره الوحيد لجذب الصغار إلي سيبره.. فكان لا بد من التغاضي عن تلك الصغائر!

جلسنا علي الجهاز أخيرا .. فتح محمد صفحة الياهو .. سألني بعض الأسئلة عن تاريخ الميلاد وبعض تفصيلات أخرى..

"يلا .. أي خدمة يا عم" .. هكذا أعلن محمد في انتصار وزهو أنني أصبحت "ياياهانجي" .. لقد صار عندي إيميلا في عالم الياهو .. وقد كان شعورا بالفرح والرهبة من ذلك العالم المجهول..

في اليوم التالي .. كتبت الإيميل علي عشرات الورقات الصغيرة .. ورحت أوزعها علي أصدقائي في غاية الفرح أن أصبحت ذا مكان مرموق إلكترونيا .. لقد كان إيميلي مميزا حقا .. ammaronline.. كنت سعيدا لهذا الاسم جدا..

بدأت بعدها أتسرب كل يوم إلي السايبر لأطالع آخر تطورات الإيميل العزيز .. لكن إعلانا في يمين الصفحة وضعني علي طريق آخر!

"المسيح يحبك .. اضغط هنا لتكلمه" .. ضغطتُ .. ودخلتُ .. كان موقعا مسيحيا تنصيرا كبيرا .. اسمه العجز العلمي في القرآن..

قرأت المقال الأول .. ثم الثاني .. ثم كتبت اسم الموقع علي جلدة الكراسة .. وغادرت المكان عازما علي العودة في الصباح..

في اليوم التالي أكملت الرحلة .. قرأت المقال الثالث والرابع والخامس ووو .. هكذا حتي صرت مقتنعا أن القرآن ليس بتلك القداسة التي يحكون عنها..

ظلت رحلتي مع هذا الموقع أسبوعا أو ما يربو .. تغيرت حياتي كليا في تلك الفترة .. لم أعد أطيق رؤية هؤلاء الناس "المسلمين" .. ازدادت رغبتي في الانعزال.. لا أبالغ إذا قلت إنني فكرت ذات مرة أن أزور كنيسة البلدة..

لم أكن أملك الجرأة وقتها علي أن أصارح أحدا بما كنت أفعله .. بيتنا "المحافظ" لم يكن ليطيق أن يسمع خبرا أن ابنهم "المحترم" ذهب بمحض إرادته إلي ذلك المكان الملعون .. السايبر!

كانت مصارحة أهلي بما قرأته في ذلك المكان سيرفع سقف يقينهم من فساد ذلك العالم .. وربما كانت ترجمة ذلك قرار بمنعي من الذهاب إلي الدروس كلها علي الإطلاق!

بقيتُ علي هذا الحال أسبوعا وبعض أيام .. إلي أن كان ذلك اليوم!

انتبهت لأول مرة أنني لم أكن قد قرأت تعريف الموقع حتي اللحظة .. دخلت إلي خانة: من نحن.. وكان تعريفا كبيرا وافيا..

المسيح يحبك .. ونحن مراسيله .. نحن قريبون منك .. نحبك أيضا .. نخاف عليك من أن تبقي جاهلا .. لا تصدق هؤلاء الكذابين .. القرآن محض خرافة .. القرآن محض خرافة..

كدت أن أخرج من الصفحة إلي أخرى .. لكن سطرا في آخر التعريف استوقفني..


هذا الموقع تم تأسيسه ردا علي الجهالات التي ينشرها موقع "المسيحية في الميزان"، وما يرفعه من مرئيات للدجال أحمد ديدات..


لا أعرف ما الذي جعلني ساعتها أنادي صاحب السايبر ربما لأول مرة .. حضر الرجل سريعا .. كان طلبي غريبا جدا في عالمه.. لم يعتد أن يسمعه من زوار هذا المكان..

طلبت منه أن يعلمني كيف أصل إلي موقع معين .. سألني عن رابطه .. أخبرته أنني لا أعرفه .. علمني الرجل كيفية البحث عبر محرك ياهو .. وغادر..

وصلت لموقع المسيحية في الميزان أخيرا .. وكان ذلك بمثابة شروق الشمس بعد ليل طويل..

ردود علمية منطقية علي كل شبهات ذلك الموقع المسيحي الكاذب .. وإثباتات بالصور علي أن الموقع المسيحي مزور وكذاب ويقطع النصوص ويغير الكلمات..

لم يكتفي الموقع الإسلامي عند حد الدفاع والرد .. بل راح يهاجم المسيحية بأسئلة وبحوث وصور ومرئيات..

وتعرفت وقتها علي الشيخ ديدات .. كان من الصعب جدا أن تتمكن من تحميل مناظرة كاملة علي الجهاز كي تراها .. فلم يكن اختراع اليوتيوب موجودا بعد..

اشتريت اسطوانة تحمل ثلاث مناظرات للشيخ .. سمعتها كلها .. وقتها تغيرت نظرتي إلي الإنترنت وإلي الحياة كلها..

ما هذا المجتمع الجاهل! .. ما تلك الأفكار الغبية! .. كيف أطلقوا حكما مطردا علي عالم الإنترنت بالفساد!

ماذا لو لم يكن بعض المسلمين قد قرروا أن يكسروا تلك القاعدة ويؤسسون موقعا كالذي شاهدته!؟ .. أكنتُ الآن مسيحيا أحدثكم من إحدي الكنائس أو الأديرة!؟

الإنترنت ميدان واسع .. تتغير فيه الأفكار والأديان .. يتزوج من ناصيته المحبون .. ويتخاصم فيه الأصدقاء .. ويتعلم منه الطلاب.. حياة أخري غير تلك الحياة..

منذ ذلك اليوم .. عرفت فائدة أن تكون منبرا يتحدث باسم فكرة تحمل الحق علي ذلك العالم الإلكتروني العنكبوتي..

مهم جدا أن يسمع الناس صوتك ورأيك كما يسمعون صوت غيرك.. ستحفظ فكرتك .. وستحفظ علي الناس الحق والدين .. وستقف حجرة عثرة في طريق أن يخلو الطريق أمام أعداء فكرتك أو دينك..

التيارات كلها أدركت هذا حتي الجهادية منها .. بل إن التيارات الجهادية ربما كانت الأسبق لخوض هذا الميدان .. أتذكر كيف أثرت أفلام جحيم الروس بإصداريها في طفولتي .. وكيف ارتبط بها اسم ذلك البطل المسلم الشجاع "خطاب" .. في الوقت الذي كان ابناء الطبقات الأخري يضعون علي ملابسهم صورة تشي جيفارا..

ليس الفيس بوك جهادا فارغا كما يدعي هؤلاء .. وليس التنظير من وراء الكيبورد فراغا ولا قلة حيلة .. هذا ميدان .. ميدان كخط الدفاع أو ثغر القتال..

حافظوا علي مواقعكم إذن..