
عام 540م، صدَّرت مصر القديمة إلى العالم وباءً حصد أرواح نصف سكان الكرة الأرضية، فكان طاعون جستنيان يقضي يوميا على حياة أكثر من 5000 إنسان.. الأمر نفسه تكرر عام 1918م، تزامنا مع الحرب العالمية الأولى، حين قتلت الإنفلونزا الإسبانية ثلث سكان العالم، وهو العدد نفسه -تقريبا- الذي قتله طاعون أنطونين عام 165من الميلاد.
أحداث كهذه لا تبدو بارزة في التاريخ الإنساني، ولا أحد يلتفت إليها حين يحل ذكراها، مقارنة بأحداث أخرى قد تبدو غير فاصلة ولا ضخمة إذا ما قورنت بتلك الأوبئة الفتاكة التي ضربت البشرية في مقتل حقيقي. لعل أبرز مثال على تلك المعادلة الغريبة، هو توقف التاريخ الشيعي عند حادثة تمرد سياسي وقع عام 680م، على مدار ثلاثة أيام، قاده الحسين بن علي ضد يزيد بن معاوية، انتهى بمقتل 72 شخصا بينهم قائد التمرد.
حادثة تبدو تفاصيلها متكررة عبر التاريخ: حاكم مغتصب يطمع في استمرار الحكم لصالح ابنه، فيخلع عليه صفة الإمبراطور، ثم يدعو الناس للانصياع له، فيرفض بعض الناس أن يتحولوا إلى ميراث، فينشأ تمرد، تعقبه احتجاجات، يتطور إلى صراع مسلح، ينتهي عادة بانتصار أحد الطرفين.. هكذا تبدو واقعة مقتل الحسين، قصة مكررة في الوجود البشري على إطلاقه! يتمحور الوجود الشيعي كله حول تلك الحادثة، ولا أحد يعلم على وجه الدقة ما الميزة التي كان يحملها هؤلاء الـ 72 شخصا لتجعل مقتلهم في صراع سياسي أهم من أرواح 12 مليون شخص قضى عليهم وباء الطاعون الثالث عام 1850م في الصين وحدها.
في ذكرى عاشوراء الأخيرة، قاد القدر صاحب المقال إلى الاستماع لبكائية شيعية حول واقعة مقتل الحسين، كان الشيخ يبكي بحرقة وهو يتحدث عن واقعة الاعتداء على السيدة فاطمة الزهراء -رضي الله عنها-.. بكاء شديد ودموع حارة تجعل أول ما يجول في خاطرك أن تلك السيدة قد تعرضت على أقل تقدير لحادثة اغتصاب جماعي عنيف انتهي بمقتلها.
لكن الفاجعة، هي أن كل ما تعرضت له الزهراء -بحسب اعتقاد ديني شيعي- هي «لطمة» على وجهها، يقول الشيعة إنها تسببت في مقتلها بعد 70 يوما! ويبدو أن هشاشة القصة لم تُقنع كثيرا منهم، فاضطر بعضهم لإضافة تعنيف أكثر درامية، فقالوا إن عمر «رفسها» في بطنها، وكانت تحمل في بطنها طفلا يدعي المحسن، لكنها ماتت على إثر تلك «الرفسة» بعد أسابيع.
ما المهم في تلك الحادثة ليتم تخليدها800 سنة عبر التاريخ البشري؟ حادثة لطم -أو حتى قتل- سيدة واحدة في آتون صراع سياسي عنيف.. ما الذي تحمله تلك السيدة في روحها يجعلها أهم من 600 فتاة قتلتهم السفاحة إليزابيث باثوري عام 1590م تحت التعذيب السادي، حتى أكلت لحم بعضهن؟
أحداث كهذه لا تبدو بارزة في التاريخ الإنساني، ولا أحد يلتفت إليها حين يحل ذكراها، مقارنة بأحداث أخرى قد تبدو غير فاصلة ولا ضخمة إذا ما قورنت بتلك الأوبئة الفتاكة التي ضربت البشرية في مقتل حقيقي. لعل أبرز مثال على تلك المعادلة الغريبة، هو توقف التاريخ الشيعي عند حادثة تمرد سياسي وقع عام 680م، على مدار ثلاثة أيام، قاده الحسين بن علي ضد يزيد بن معاوية، انتهى بمقتل 72 شخصا بينهم قائد التمرد.
حادثة تبدو تفاصيلها متكررة عبر التاريخ: حاكم مغتصب يطمع في استمرار الحكم لصالح ابنه، فيخلع عليه صفة الإمبراطور، ثم يدعو الناس للانصياع له، فيرفض بعض الناس أن يتحولوا إلى ميراث، فينشأ تمرد، تعقبه احتجاجات، يتطور إلى صراع مسلح، ينتهي عادة بانتصار أحد الطرفين.. هكذا تبدو واقعة مقتل الحسين، قصة مكررة في الوجود البشري على إطلاقه! يتمحور الوجود الشيعي كله حول تلك الحادثة، ولا أحد يعلم على وجه الدقة ما الميزة التي كان يحملها هؤلاء الـ 72 شخصا لتجعل مقتلهم في صراع سياسي أهم من أرواح 12 مليون شخص قضى عليهم وباء الطاعون الثالث عام 1850م في الصين وحدها.
في ذكرى عاشوراء الأخيرة، قاد القدر صاحب المقال إلى الاستماع لبكائية شيعية حول واقعة مقتل الحسين، كان الشيخ يبكي بحرقة وهو يتحدث عن واقعة الاعتداء على السيدة فاطمة الزهراء -رضي الله عنها-.. بكاء شديد ودموع حارة تجعل أول ما يجول في خاطرك أن تلك السيدة قد تعرضت على أقل تقدير لحادثة اغتصاب جماعي عنيف انتهي بمقتلها.
لكن الفاجعة، هي أن كل ما تعرضت له الزهراء -بحسب اعتقاد ديني شيعي- هي «لطمة» على وجهها، يقول الشيعة إنها تسببت في مقتلها بعد 70 يوما! ويبدو أن هشاشة القصة لم تُقنع كثيرا منهم، فاضطر بعضهم لإضافة تعنيف أكثر درامية، فقالوا إن عمر «رفسها» في بطنها، وكانت تحمل في بطنها طفلا يدعي المحسن، لكنها ماتت على إثر تلك «الرفسة» بعد أسابيع.
ما المهم في تلك الحادثة ليتم تخليدها800 سنة عبر التاريخ البشري؟ حادثة لطم -أو حتى قتل- سيدة واحدة في آتون صراع سياسي عنيف.. ما الذي تحمله تلك السيدة في روحها يجعلها أهم من 600 فتاة قتلتهم السفاحة إليزابيث باثوري عام 1590م تحت التعذيب السادي، حتى أكلت لحم بعضهن؟
هل يعلم هؤلاء المتلاطمين أنه في عام 1692م، في بيت قسيس اسمه "صمويل باريس Samuel Parris"، رئيس كنيسة قرية "سالم Salem Trials" الأمريكية، كانت تعمل خادمة سوداء من "باربيدوس" في منطقة الكاريبي، اسمها "تيتوبا Tituba"، وتحكي حكايات وقصص عن الساحرات وخرافات أخرى سمعتها في باربيدوس، لذا تمت محاكمتها بالسحر، وحُكم عليها بالموت حرقًا بعد تعذيبها وخلع أعضاء من جسدها.
وفي منتصف القرن الثالث عشر، قُدِّمت امرأة للكنسية الكاثوليكية في أوروبا لمحاكمتها بتهمة السحر، وتمت معاقبتها بتمزيق بعض أعضائها الجنسيَّة، ثم حلقوا شَعرَ جَسَدِهَا ورأسها جميعًا بحثًا عن علامة الشَّيطان في جَسدِهَا، لينتهي الأمر بحرقها.. وهو قريب لما حصل في عام 1782 في مدينة غلاروس حين تم حرق أنا غولدي.
بالطبع، لا يقصد المقال أن يهوِّن من التفاعلات الإنسانية المواكبة للأحداث، فطبيعي أن يتأثر جيل أو جيلين بالأحداث الراهنة لحياتهم، لكن الحديث هنا عن المشاهد التي يحفظها التاريخ، لتبقي آلاف السنوات محط الاهتمام لأجيال متعاقبة، بينما هي -في الميزان التاريخي الإنساني- مجرد حوادث عادية متكررة.
ما يقصد إليه هذا المقال هو أننا ربما علينا أن نعيد من جديد تقييم الأحداث التي نعتبرها رموز حياتنا، وأن نخلع نظرتنا الضيقة إلى أحداث عادية متكررة لا قيمة لها مقارنة بأحداث أشد عظمة وأعظم أثرا، وأن نقتنع أن التاريخ البشري يخصنا جميعا، بكل رموزه وتضحياته، وأن حياتنا بدأت منذ خُلق الإنسان، لا منذ قررنا نحن أن نضع بداية التاريخ!
وفي منتصف القرن الثالث عشر، قُدِّمت امرأة للكنسية الكاثوليكية في أوروبا لمحاكمتها بتهمة السحر، وتمت معاقبتها بتمزيق بعض أعضائها الجنسيَّة، ثم حلقوا شَعرَ جَسَدِهَا ورأسها جميعًا بحثًا عن علامة الشَّيطان في جَسدِهَا، لينتهي الأمر بحرقها.. وهو قريب لما حصل في عام 1782 في مدينة غلاروس حين تم حرق أنا غولدي.
بالطبع، لا يقصد المقال أن يهوِّن من التفاعلات الإنسانية المواكبة للأحداث، فطبيعي أن يتأثر جيل أو جيلين بالأحداث الراهنة لحياتهم، لكن الحديث هنا عن المشاهد التي يحفظها التاريخ، لتبقي آلاف السنوات محط الاهتمام لأجيال متعاقبة، بينما هي -في الميزان التاريخي الإنساني- مجرد حوادث عادية متكررة.
ما يقصد إليه هذا المقال هو أننا ربما علينا أن نعيد من جديد تقييم الأحداث التي نعتبرها رموز حياتنا، وأن نخلع نظرتنا الضيقة إلى أحداث عادية متكررة لا قيمة لها مقارنة بأحداث أشد عظمة وأعظم أثرا، وأن نقتنع أن التاريخ البشري يخصنا جميعا، بكل رموزه وتضحياته، وأن حياتنا بدأت منذ خُلق الإنسان، لا منذ قررنا نحن أن نضع بداية التاريخ!