
في أحد أيام عصر ما قبل السيوشيال ميديا، اشتعلت ساحة منتدى إلكتروني بنقاش جاد حول شعار قناة فضائية تقول إنها "منبر من لا منبر له".. كان الباعث على النقاش هو الوقوف على حقيقة حاجة كل الناس إلى منبر يعبرون فيه عن ذاتيهم وتجاربهم.. هل كل الناس حقا يحتاجون منبرًا؟ وهل يمكن أن يحصل هذا في يوم من الأيام؟.. لم يكن يدور بخلد أحدنا أنه بعد أعوام من جلستنا سيكون لدى غالبية الناس منبرها الخاص، تبث منها أفكارها وآراءها للدنيا كلها.
جاء عصر السيوشيال ميديا ليفتح المجال أمام كل من يتلقى اتصالا بالإنترنت -وبفرصة عادلة تقريبا- ليمتلكوا منبرهم الخاص، حتى صار بعضنا، حين يتذكر شعار القناة القديم، يقفز إلى ذاكرته السؤال البديهي البسيط: ومن يا تُرى لم يعد يملك منبرا بعد!؟ الآن، وقد غدت المنابر التعبيرية في متناول الجميع، لم يعد السؤال المثار هو البحث عن متسع للكتابة، بقدر الوقوف على دوافع الكتابة وأسباب اللجوء إليها.. باختصار: لماذا نكتب؟ وما القيمة الأدبية التي تفرضها علينا ممارسة الكتابة؟
وشأن كل كيان بشري، يبرز دائما من بين المتراصين نُخبة متصدرة، هؤلاء المتصدرون أمام مسؤولية أدبية تحاصر تلك الحرية الجديدة، تفرض على أصحابها استغلالها في شكلها الأمثل، وفق اعتقاداتها وثوابتها، خيرة كانت أو شريرة؛ احتراما لعقلية من يراقبون كتاباتهم ومنشوراتهم. لكن الأخطر في ظاهرة التصدر دائمًا، ما يصاحبها من إطراء مبالغ فيه في بعض الأحيان، فتصبح ألفاظ الإجلال والتفخيم في أذن صاحبها لحنا دائما يغار حين يُسمع غيره، ويثور حين يواجهه أحدهم بالنقص أو حتى غياب الكمال.. أمر بدا واضحا حين وصف أحد الكتاب الشباب صديقا له على موقع آسك، بأنه أعلم من الشيخ الألباني!
خطير جدا أن يتعود شاب في مقتبل حياته، ألقاب التعظيم وهي تُخلع عليه ليل نهار، فيصبح عند بعض القراء: مولانا، وشيخنا، وسيدنا.. فيتطور ذلك التعود -لاحقا- إلى حد تأليه الذات والأصحاب، فيصبح احتقار الناس حقا في نظر المتصدر، وتتحول السخرية المتجاوزة للأدب هي العادة في حديث الكاتب العالم.
لماذا نكتب؟ لأننا نحن من يحتاج البوح، ولأن الكتابة توفر لنا متسعا للحكاية.. وحين يقرأ أحدهم كلماتنا، فإنه في الحقيقة يتفضل علينا ببعض وقته.. اعرف هذا جيدا، لا سيما إن كنت في بداية الطريق. أنت لست حامل مشعل المعرفة، ولن تضيف للقارئين كثيرا.. لذا، دع عنك هالات التصدر، وتخفف من وهم الأهمية، وإياك والتعالي على القارئ وإن خانك اللفظ، وابتعد عن مصطلحات الفوقية نحو: أشرح لكم وأوضح لكم.. إلخ.
لا تستخدم ضمير المتكلم كثيرا.. حياتك ليست ذات أهمية كبرى ليعرف الناس تفاصيلها، فلا تقحمها في الكتابة إلا حين تكون في سياق، وإلا فإنك مفلس الوعاء وإن كنت منطلق اللسان.. هذا هو الفارق بين التدوين والتغريد. ابتعد عن العناوين المبهمة والواسعة.. بعض الكتاب تجده يصوغ عنوانه: "إشكالية الصراع العربي اليهودي في ضوء متغيرات التاريخ".. صديقي، هذا عنوان كتاب!
أذكر مرة حين كتب صديق مقالا عنونه بـ "حل القضية الفلسطينية".. يومها مر مقاله أمام أحدهم، فقال ساخرا: وهو لو حل القضية بسيط لدرجة إنه يتكتب في مقال، الناس بقالها ستين سنة بتحارب ليه!؟
لا تقدم رأيك في كتاباتك كأنها خلاصة التاريخ.. الدرس الأكبر الذي يجب على كل كاتب أن يتعلمه حين يقرأ كتابات من سبقوه، هو أن الأيام تتغير، والقواعد تتبدل، والثوابت تصطبغ بلون الأجيال.. لذا، اخلع لغة الوثوق التي تكتب بها، فإن ما تحسبه اليوم ميزان قياس لا يقبل التبدل، قد يُضرب به المثل لاحقا دليلا على السخافة وضمور النظر والتفكير.