ينتظر المعذبون لحظة الخلاص التي يسمونها "النصر"، ويعيشون في ترقب وصولها، يقولون إن الله وعدهم بها، وأنها آتية لا محالة.. بينما لو سألت أحدهم بغتة: ما هو النصر؟ وما هو شكله؟ وكيف تتوقع أن يكون؟ فسوف تكتشف أنه لا تعريف يحمل ملامح واضحة لمعنى النصر في أذهان الجميع.
في مصر مثلا، آلاف في السجون، وآلاف في المنفى مطاردون خارج مصر وداخلها، من تيارات عدة، وأغلبها إسلامية، كلها يتنظر النصر، لكن النصر عند أولئك غير النصر عند هؤلاء، بل إن التيار الواحد يحمل عدة تصورات لمعنى النصر، يختلف من شخص إلى آخر ومن فريق إلى فريق.
فما هو النصر الذي ننتظره؟ وما هي أماراته؟ وهل اقترب تحققه؟ وهل سنشهده؟ أم سيحول قصر العمر بيننا وبينه؟ أم أنها مجرد خرافة يتم ترويجها ليجد فيها المعذبون سلوى لمواجهة تبعات القمع والاضطهاد؟
نؤمن -كمسلمين- أن دين الله سيسود العالم يوما ما، شاء من شاء وأبى من أبى، وأن رسول الله في حديث شريف بشّر بأنه في آخر الزمان سيعود الناس إلى خلافة راشدة على منهاج النبوة، وأن الأرض كلها ستسبح بحمد الله.. هل هذا هو النصر المنتظر؟ أم أنه التمكين؟ هنا نقطة الخلاف.
في حياة كل واحد منّا معركتان كبيرتان، واحدة يخوضها باعتبار شخصي، حيث يلقي الله وحده ويُحاسب على أعماله منفردا، فـ "كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ".. ومعركة أخرى يخوضها كحجر في جسد الأمة المسلمة، التي تعاني اليوم أشد لحظاتها ضعفا وانهيارا. الخلط بين دور المسلم في هاتين المعركتين يصنع المشكلة، فالنصر في كل واحدة منها غير الآخر تماما، وإدراك النصر في واحدة لا يمنحك النصر في الأخرى تلقائيا، كما أنه ليس شرطا أبدا أن تحقق الانتصار في المعركتين معا.
نؤمن أيضا أن معركة الإنسان الكبرى في هذه الحياة هي أن يخرج منها بما يدرك به منزله في الجنة، وأن الأمر إذا ليس مرتبطا بشكل الحياة على الأرض، سواء عاصرنا لحظات التمكين أو لحظات الانهيار.
كم من مسلم شهد فتح بيت المقدس، ثم دخل النار، وكم من مسلم مات في مكة مُعذبا، ثم دخل الجنة، من الذي انتصر إذن؟ تعرف أصحاب الأخدود؟ الملك الظالم أحرقهم كلهم، كلهم! بمقاييس الدنيا، لقد خسروا كل شيء، لكن القرآن يحكي أن لمقاييس الآخرة رأي آخر، وأن النصر ليس دائما رهن التمكين.
الآن، بينما نؤمن أن المعركة الأولى، تتمثل لحظة الانتصار فيها بدخول الجنة، أما المعركة الثانية فالنصر فيها يتمثل في ريادة الأمة وتحقيق صدارتها على الأمم كلها.. فإن السؤال الآن: حين تنتصر الأمة وتسود العالم، فإنها تكون قد حققت التمكين، لكن هل يعني هذا أنك أيضا قد ضمنت الانتصار في معركتك الخاصة؟ يبدو لا!
هؤلاء الذين ينتظرون النصر، عليهم أن يُعيدوا -من جديد- صياغة معنى النصر في عقولهم، فإذا كنتَ في صف مناهضي الظالمين فإن النصر لن يأتيك، لأنك تعيشه بالفعل! أن تنتصر في معركتك الكبرى، أن تكون في صف الحق حيث كان، أن تموت على طريق تلقى ربك به رافعا رأسا مفتخرا، هذا هو النصر الحقيقي، سواء شهدت لحظة التمكين أو لم تشهدها.
إن لك في جسد الأمة معركة، ولك أنت في ذاتك معركة أخرى، فاعط لكل معركة حقها، واعرف أين تقف منها. قد تكون الأمة في معركتها متأخرة، وأنت في معركتك منتصر. وقد تكون الأمة في معركتها منتصرة، وأنت في معركتك خاسر.
ترى حولك هؤلاء الذين في بيوتهم فرحين يدعمون الظالم ويفوضونه.. أليسوا آمنين؟ وأنت أيها المشرد المطارد، ألست تخشى أن تُتخطف من الأرض؟ بربك.. من فيكم المنتصر؟ ما دمت في درب الحق مهما كنت ضعيفا، فأنت تعيش في ذاتك النصر وإن لم تدرك التمكين.
صحيح أن غاية وجود الإنسان في الأرض يتبعها أن يقيم العدل فيها، وأن سعيه لذلك يجب ألا يتوقف، إلا أن ذلك ليس مدعاة له أن يخلد إلى رغد الحياة قبل أن يؤدي فيها رسالته. وصحيح أن عليك أن تسعى لأن تدرك حياة طيبة، لكن إن كان ﻻبد من اختيار بين حياة رخاء في صف الظلم، أو حياة شقاء في كنف الحق، فلتكن الأخيرة، وعندها تكون قد نجحت في الاختبار، وأدركت معنى النصر.
تعليقات