عمار مطاوع صحافة · إعلام رقمي · أفكار
ع
أدوات المقال
لافتات السيسي وبوسترات أبو إسماعيل
مقال · مقالات حرة مقالات حرة

لافتات السيسي وبوسترات أبو إسماعيل

الآن، بات الطريق ممهدًا أمام السيسي ليلتفت بعض الشيء إلى صناعة تاريخه، على طريقة محمد علي حين بدأ مسيرته بمذبحة نكراء طالت المعارضين جميعًا تحت راية محاربة المماليك، وشهدت اقتحامات للمنازل وقتل للمصريين المعارضين في الشوارع والطرقات، كما حكى عنها المؤرخ المصري المعاصر لها عبد الرحمن الجبرتي.

عمار مطاوع

— دقائق قراءة — كلمة قراءة متتابعة متاحة
 بلحية بيضاء كثة وناصعة، وقف ناظر مدرسة ابتدائية، مدرس اللغة العربية الأكثر شهرة بالبلدة، يردد في تملل واضح على طريقة تلقين معلمي الكتاتيب كلمات أغنية "قالوا إيه" عبر ورقة صغيرة تخبرك كيف أن هذا الرجل البسيط ليس على دراية كافية بمستحدثات التكنولوجيا وتطورات التقنية. يصارع الرجل وقاره الممتهن في محاولة منه للملمة ما تبقى منه، ينازعه طيف كرامته المهدرة الرافض لاستلامه المهين، ليقرر بعد تردد أن يحفظ ماء وجهه، لا عبر التوقف عن الأغنية العسكرية، بل عبر غنائها بعربية فصحى قحة.

تُكتب هذه السطور، ومصر تقف على أعتاب ثالث انتخابات رئاسية خلال 6 سنوات، نسخة تكشف في كواليسها تطور الحياة السياسية المصرية، بعد انتخابات 2012 التعددية التي أفرزت 13 مرشحًا مجازا، و4 مرشحين مستبعدين، واحتدامًا حقيقيًا ظل مشتعلا حتى اللحظات الأخيرة من إعلان نتائج جولة الإعادة. لا شك أن تلك الانتخابات لم تكن نزيهة على الإطلاق، فيد العسكر لم تغب لحظة عن تشكيل واقعها، لم تكن بدايتها استبعاد الأربعة الكبار: عمر سليمان وحازم أبو إسماعيل وخيرت الشاطر وأيمن نور. لكن رغم ذلك تظل المشاركة الشعبية الحقيقية في تلك النسخة علامة فارقة في حياة الشعب المصري وتجربته السياسية والديموقراطية.

أما في النسخة الثانية عام 2014، فلم يكن السيسي مهتمًا على ما يبدو بإبراز مشاركة شعبية واسعة، كان من السهل أن ترصد في البرامج الساخرة المعروضة على شاشات الدولة تهكما على ضعف المشاركة أو قلة الإقبال، كان في الأمر بعض السعة، فشرعية الجنرال الداخلية كانت قائمة على محاربة الإرهاب لا غير، ونتائج مباحثات البرادعي الخارجية لا تزال مثمرة رغم اعتزاله المشهد. كانت شرعية السيسي نابعة من بندقيته، وثقة مؤيديه العمياء، وتفويض لا يزال ساري المفعول.

لكن الوضع الآن اختلف كثيرًا، فالرجل اليوم يؤسس لميلاده الجديد، فترة حكمه الحقيقية، بعدما استهلك في فترة صراع طويل امتدت قرابة 8 سنوات هي عمر الثورة، من أجل بسط نفوذه والتخلص من خصومه السياسيين والعسكريين على السواء، لم تكن أولويات السيسي في تلك الفترة هي البناء أو كسب ثقة الجمهور، وإنما فقط، حسم المعارك وإنهاء التهديدات.

الآن، بات الطريق ممهدًا أمام السيسي ليلتفت بعض الشيء إلى صناعة تاريخه، على طريقة محمد علي حين بدأ مسيرته بمذبحة نكراء طالت المعارضين جميعًا تحت راية محاربة المماليك، وشهدت اقتحامات للمنازل وقتل للمصريين المعارضين في الشوارع والطرقات، كما حكى عنها المؤرخ المصري المعاصر لها عبد الرحمن الجبرتي.

لذلك بات مهمًا الآن بالنسبة للسيسي أن يصنع بعض الشعبية المفتعلة لحين توطيد شعبية حقيقية عبر استعادة ثقة الجماهير مجددا ببعض التحديثات التي تمس حياة المواطنين، صناعة الشعبية خطوة مهمة ودافع جيد للمؤيدين للصبر على مرحلة الانتقال العصيبة، لكن السيسي صنع المشهد على طريقة والده العتيد.. حسني مبارك.

لافتات تأييد السيسي ومبايعته في كل مكان، ضد من؟ لا أحد يعرف، فالرجل يخوض الانتخابات وحده تمامًا، حتى خصمه المفتعل سرعان ما أعلن أنه -كمواطن- يؤيد ويبايع سيادة الرئيس.. مشهد يذكرنا بلافتات زرقاء زاهية لمرشح كث اللحية من الجهة الأخرى، أثارت انتباه المشهد المصري يوما ما، بالتحديد قبل 8 سنوات.

ما الفرق إذن بين لافتات السيسي وبوسترات أبو إسماعيل؟ ولماذا يسخر اليوم من الأولى من كان يفتخر بالثانية قبل سنوات؟ وهل يعيب السيسي في شيء توسع مؤيديه في إعلان مبايعته على الطريقة نفسها التي اتبعها أنصار الشيخ ومؤيديه؟ أسئلة قد لا تكون مهمة للجميع، لكنها استوقفت صاحب التدوينة كونه كان ناشطًا ذات يوم في حملة الأخير.

المشهدان مختلفان.. ألم يلفت انتباهك مرة كيف أن لافتات تأييد السيسي لا تخل أبدا من أسماء -وأحيانا صور- أصحابها؟ ما الذي يدفع هؤلاء لإبراز هوياتهم في صدر المبايعة كأنها إعلان براءة وإنجاز لمهمة مفتعلة على طريقة مبارك حين كانت لافتات تأييده تحجب أشعة الشمس عن الطرقات عدة أيام؟ هذا هو الرئيس بين من تحرك لدعم مرشح محتمل استجابة لشعبية حقيقية مشبعة باقتناع فكري واعتقاد أيديولوجي، وبين تأييد بأوامر عسكرية يكون مصير المتردد فيها التغييب والاعتقال.

على أية حال، سيدخل السيسي قصره مجددا شئنا أم أبينا، لكن الإعلام الموالي للجنرال سيزيد من إسفاف ادعاء الشعبية الكاسحة والتأييد المهيب، بسخافة مفضوحة على نحو صرخات مدحت شلبي الداعية لتأييد الرئيس مع كل هدف يحرزه صلاح.. سيحصل هذا كله، بينما سنظل نفتخر بتجربتنا الملهمة بعد الثورة، وكل ليلة قضيناها نعلق لافتات أبو إسماعيل في الأزقة والطرقات، وكل قرش اقتطعناه لنغري صاحب مطبعة بمنحنا كومة لافتات أخرى، وذلك الشعار الصغير الذي سطرناه في شوارع مصر يوما ما.. سنحيا كراما.