
هل تدري لماذا كتب الروائي البريطاني جوروج أورويل روايته الأشهر "مزرعة الحيوان" عام 1945 تحديدا؟ أو شاهدت فيلم (Mission to Moscow) الذي أنتجته هوليوود عام 1943؟ أو قرأت التحذير الشهير للفيلسوفة "حنة أرندت" مما أسمته "فخ التغاضي عن الجرائم" في لحظة الاضطرار؟
يقول أورويل في مقدمة النسخة الأوكرانية من الرواية إن "ما دفعه لكتابتها هو أن كثيرا من المثقفين البريطانيين أصبحوا يرفضون أي نقد لجوزيف ستالين أو الاتحاد السوفيتي بعد التحالف معه ضد هتلر"، ليؤكد الرجل أن روايته لم تكن سوى محاولة "للاحتجاج على تبرير الستالينية في أوساط المثقفين الغربيين واليساريين بعد التحالف معها ضد الخطر النازي".
قبل عام 1941، كان زعيم الاتحاد السوفيتي جوزيف ستالين يُقدَّم في الإعلام البريطاني والأمريكي كديكتاتور شيوعي.. لكن وحين غزا هلتر الاتحاد السوفيتي نهاية العام، أصبح ستالين حليفاً لبريطانيا والولايات المتحدة، وبدأت حملة دعائية واسعة لتغيير صورته، وظهر لقب "العم جو" (Uncle Joe) للدلالة على أنه حليف ودود يمكن الوثوق به.
فجأة، استيقظ الأمريكيون والبريطانيون ليجدوا ملصقات في الشوارع تحمل صورة "الدكتاتور ستالين"، الرجل الذي اقترن اسمه بالتطهير الأعظم، ومعسكرات الغولاغ، والسياسات الزراعية التي أورثت شعبه مجاعات مدمرة.. ولكن هذه المرة مع ألوان زاهية، ووجه ودود، وشعار "العم جو"، الذي أصبح واحدا من أشهر حملات الدعاية السياسية في الأربعينيات.
كتب جورج أورويل كتابه مزرعة الحيوان ليخبر عن أن "المشكلة لم تكن في التحالف العسكري مع ستالين، بل في تزييف الحقيقة"، كان أورويل يرى أنه لم يكن ستالين أقل استبدادا وهو يقاتل هتلر، ولم يصبح أكثر استبداداً بعد هزيمته. ما تبدل لم يكن أخلاقه، بل مصالح الآخرين.
وإذا شاهدت فيلم (Mission to Moscow) الذي أنتجته هوليوود عام 1943 بدعم مباشر من إدارة الرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت، ستدرك كيف تستطيع الدعاية أن تعيد تشكيل الصورة العامة لرجل واحد دون أن يتغير الرجل نفسه.. مجازر ستالين وتاريخه المظلم تم تهميشها بعناية فائقة؛ إذ ابتلعت أدراج "الضرورة العسكرية" تفاصيل القمع، ليُعاد تقديم الرجل كقائد بسيط يذود عن شعبه في وجه الوحش النازي.
كان أورويل يعتقد أن أخطر ما يمكن أن تفعله السياسة ليس أن تتحالف مع مستبد، فهذا يحدث في التاريخ كثيراً، وإنما أن تقنع الناس بأن المستبد أصبح بطلاً لأن عدوه أسوأ منه.. فحين تنتهي الحرب، يعود المستبد مستبداً كما كان دائماً، بينما يبقى الذين صفقوا له أسرى تناقضهم الأخلاقي لعقود.
لم يكن هذا التحول لأن ستالين قد تغير، بل لأن موازين الحرب فرضت هذا المسار الاستثنائي. لكن هذا التبييض الأخلاقي لم يمر دون أن يترك غصة في حلوق المفكرين والدبلوماسيين الذين أدركوا خطورة اللعبة مبكراً.. ولم تكن مشكلة أورويل في التحالف العسكري مع ستالين بحد ذاته كضرورة فرضتها الحرب، بل مع الجريمة الأخلاقية المتمثلة في إعادة تقديم ستالين كبطل.
لاحقاً، وفي مقالته "ملاحظات حول القومية" (Notes on Nationalism)، وضع أورويل يده على الجرح النازف قائلاً إن أخطر ما يفعله الانحياز السياسي هو أنه يُفقد الإنسان قدرته على رؤية الجرائم متى ما ارتكبها الطرف الذي يميل إليه. وعاد وأكّد الأمر في مقالته (The Prevention of Literature) حين كتب أن الحرب جعلت كثيراً من المثقفين الغربيين يمارسون "رقابة ذاتية مع ستالين"، ويتجنبون نشر أي شيء قد يسيء إلى الاتحاد السوفيتي، لأنه أصبح حليفا ضد هتلر".
الفيلسوف واللاهوتي الأمريكي راينهولد نيبهور هذا التقلب البراغماتي في المواقف الأخلاقية مع ستالين، وقاد الدبلوماسي الأمريكي جورج كينان -أحد أبرز مهندسي السياسة الخارجية وأبو "استراتيجية الاحتواء"- حراكاً فكرياً داخل أروقة السياسة محذراً من التناقضات الصارخة في طريقة تعامل الإدارة الأمريكية مع الاتحاد السوفيتي، لافتاً إلى خطورة الانجراف وراء تلميع نظام شمولي.
هنا، يبرز التساؤل الأهم: السؤال ليس: هل يجوز أن تتحالف مع مستبد في ظرف استثنائي؟ بل: هل يجوز أن تكذب على نفسك وعلى الناس فتجعله بطلاً أخلاقياً؟
التحالف قرار سياسي، أما البطولة فهي حكم أخلاقي. قد تفرض السياسة أن تمد يدك إلى مستبد، لكنها لا تفرض عليك أن تصفق له. والخلط بين الاثنين هو بداية تزييف الوعي. عندما تصنع بطلاً من مستبد، فإنك لا تبرئ ماضيه فقط، بل تمنحه رصيداً أخلاقياً يستخدمه لاحقاً في تبرير جرائمه الجديدة. وهذه هي أخطر نتيجة في قصة "العم جو"؛ فالضرر لم يكن فقط نسيان جرائمه السابقة، بل أن صورة "الحليف البطل" منحت النظام السوفيتي حصانة وحضوراً لدى قطاعات من المثقفين، وأصبحت مرجعاً يُستخدم لتخفيف أو إنكار جرائم لاحقة.
وعلى ذات الوتر، عزفت الفيلسوفة حنة أرندت، وفي محاضرتها الشهيرة (Personal Responsibility Under Dictatorship)، محذرة من فخ التغاضي عن الجرائم الكبرى. لقد رأت أن الخطر الأكبر في حجة "الشر الأقل" لا يكمن فقط في اختياره لحظة الاضطرار، بل في أن الناس يعتادون هذا الاختيار حتى ينسوا تماماً أنه كان "شراً" من الأساس.
إن المشكلة الحقيقية، يا صديقي، لا تكمن في التحالف الاضطراري مع مستبد؛ فالسياسة وحلٌ لا يعترف بطهارة الأيادي. المشكلة تبدأ حين يتحول هذا المستبد في وعينا إلى بطل أخلاقي. وهي ليست قصة عابرة في أربعينيات القرن الماضي، بل متلازمة تتكرر كلما اشتدت الخطوب؛ ألم يحصل نظام صدام حسين على دعم سياسي واستخباراتي ولوجستي من قوى غربية أثناء الحرب العراقية الإيرانية قبل أن يتحول فجأة إلى التهديد الأكبر؟ ألم يُصنع من المجاهدين الأفغان أيقونات للحرية في وجه السوفييت قبل أن تحصد البشرية نتائج هذا التحالف المعقدة لاحقاً؟
أعد قراءة السطور السابقة بتمهل.. ألا تشعر وكأن ألفاظها تصف واقعنا العربي المرير اليوم؟
في ظل المحارق المستمرة والإبادة الجماعية التي يمارسها الاحتلال الإسرائيلي، يجد العقل العربي نفسه، تحت وطأة القهر وانعدام الحيلة، باحثاً عن أي قوة ترد الصاع صاعين لهذا الكيان. وهنا، يبرز دور إيران وحزب الله. وبطريقة تشبه تماماً حملة "العم جو"، تنطلق أصوات لتلميع هذا المحور، وتتويجه "بطل المقاومة" و"درع الأمة".
لكن، وفي غمرة هذه النشوة اللحظية، تقفز إلى الذاكرة أسئلة لا يمكن إسكاتها: ما هو موقفنا من تراث الجرائم الذي خُطّ بدماء السوريين؟ كيف يمكن لمن ذبح الأطفال في الغوطة، وحاصر الجوعى في مضايا، ومحا مدناً بأكملها في حلب وحمص، أن يُعاد تدويره في ضمائرنا كبطل قومي؟ نحن هنا أمام معضلة ستالين من جديد. إن تبرير التحالف مع هذا المحور اليوم بحجة أنه يقاتل إسرائيل، هو ذاته تبرير ابتسامة "العم جو".
لم يكن ستالين أقل استبداداً وهو يقاتل هتلر، ولم يصبح أكثر استبداداً بعد هزيمته. الرجل هو الرجل، والجرائم هي الجرائم، وما تبدل لم يكن أخلاقه، بل مصالح الآخرين.
ولهذا فإن أخطر ما يمكن أن تفعله السياسة ليس أن تتحالف مع مستبد، فهذا يحدث في التاريخ كثيراً، وإنما أن تقنع الناس بأن المستبد أصبح بطلاً لأن عدوه أسوأ منه. فحين تنتهي الحرب، يبقى البطل الحقيقي بطلاً، أما المستبد... فيعود مستبداً كما كان دائماً، بينما يبقى الذين صفقوا له أسرى تناقضهم الأخلاقي لعقود.
عدد مشاهدات الموضوع: