بالأمس القريب، في السوق الشعبي في شمال الأمازون، قابلت شيخا فلسطينيا لا يذكر من العربية سوى بعض كلمات.. لديه قصة مثيرة..
وصل إلى إحدى البلدات المهملة على شواطئ لاتينا منذ النكسة محمولا على أسرة فلسطينية انتشلته رضيعا من بين جثث أسرته الذين ماتوا إعداما برصاص المحتل..
اليوم وبعد نحو ستين عاما.. جميع أبنائه يحملون أسماء عربية مثل ليلي ومسعود وهنا.. لكن أحدا منهم لا يعرف من العربية شيئا.. ويدينون جميعا بغير دين والدهم.. وينطقون أسمائهم بلكنة إسبانية واضحة لا تكاد تلمح بينها ملامح الاسم العربي..
حفيده الأكبر يحمل وشما على صدره لنجمة داوود اليهودية! لا يعرف الشاب ما الذي تعنيه تلك الرسمة، أكثر من أنه كتب في خانة بحث الإنترنت: فلسطين، فظهرت له النجمة.. فخطها على صدره وفاء لجده المصدوم!
يظن ابنه الأكبر أن عائلة والده تعيش في سلطنة عمان.. الحقيقة أنهم يعيشون في العاصمة الأردنية عمان.. لكنه لا يعرف الفرق بينهما.. وكم كانت دهشته صادمة حين أخبرته بالفرق!
حين أزور ذلك الشيخ المسن بين الحين والحين، ألمح في قسمات وجهه حزنا لا يمكن أن تخطه الكلمات.. يجلس الرجل فوق سرير مرضه، وفوقه شريط طويل لصور رموز فلسطين، ومفتاح بيت عائلته في حيفا..
يطلب مني كل مرة أن أعلم أولاده العربية، لكن الوقت قد أزف، بعض أولاده قد خط الشيب شعر رأسهم.. يحترم الأولاد دين والدهم ويحبون هويته، لكنهم يحبون أيضا أصدقائهم اليهود من أبناء البلدة الذين يزورون القدس سنويا حاملين علم الاحتلال..
يملأ النور عيني الشيخ -أو لعله الحزن- كلما سمع مني كلمات عربية يعرفها، وهو الذي عاش حياته كلها في بلدته المهملة لم يلتقِ فيها العرب سوى مرات قليلات.. خمسين عاما أو يزيد، وهو يحمل لقب العربي الوحيد، ويعرف سائقو الحافلات ورشة الأخشاب التي يملكها، باسم: الورشة العربية!
يجلس طوال يوم يستمع إلى فضائية القدس، لا يفهم الكثير مما يقول المذيع سوى أن أصحاب الأرض سيعودون يوما ما.. لا يفهم الكثير، لكنه يشعر أن ارتمائه أمام شاشتها أقصى ما يمكنه أن يقدم وفاء لقضيته وعائلته..
ذلك شيخ حزين، يعرف أن الموت يداهم شرفة منزله كل ليلة، وأن بموته سينقطع نسله العربي الخالص، وستنتهي معه رحلة عائلة مقدسة أخرى من عائلات الشتات.. ولن يبقى لعروبته ذكرى إلا أسماء أولاده التي ستختفي مع جيل أحفاده الأول..
تداهمني قصته كلما فكرت في مستقبل من هاجروا أرضهم في بلاد الشتات العربي هذه الأيام.. كيف ستؤول قصتهم؟ وما مستقبل أبنائهم وحياتهم؟ وكم سيحفظون من هويتهم وقضيتهم؟
وفي الفم ماء كثير..
