عمار مطاوع صحافة · إعلام رقمي · أفكار
ع
أدوات المقال
هذا مقال بالذكاء الاصطناعي
مقال · في الإعلام والتسويق في الإعلام والتسويق

هذا مقال بالذكاء الاصطناعي

كل نص لا يعتمد اليوم على تقنيات الذكاء الاصطناعي، هو نص متأخر من عصر قديم، وأن المقال المصنوع بشريا بالكامل هو نوستالجيا، كالصحيفة التي يشتريها القارئ

عمار مطاوع

— دقائق قراءة — كلمة قراءة متتابعة متاحة

في أواخر القرن التاسع عشر، كان إرسال رسالة شخصية مطبوعة بالآلة الكاتبة يُعتبر سوء أدب وإهانة صريحة.

عام 1900، صدر كتاب إرشادي أميركي يضم قواعد ونماذج جاهزة لكتابة الرسائل التجارية والاجتماعية والشخصية لمؤلفه ألفريد تشامبرز. قال صراحة إن "الرسائل المكتوبة بالآلة متشابهة، بلا فردية أو سمات شخصية"، وأنه "في العلاقات الحميمة والتعزية، فإن إرسال رسالة بالآلة يُعتبر "ذوقًا سيئًا".

بل إن وزارة الخارجية الأميركية واجهت في أواخر تسعينيات القرن التاسع عشر اعتراضات قانونية على استخدام الآلة الكاتبة في المراسلات الرسمية، بوصفها تنطوي على "قلة احترام".

وفي مقال بصحيفة نيويورك تايمز (عام 1924)، جمعت الصحيفة آراء عشرة كتّاب بارزين في استخدام الآلة الكاتبة، ووثقت فيه اقتباسات أيقونية مثل عبارة هاملين غارلاند: "في كل جهودي الإبداعية، أعتمد على القلم، لا أثق بالآلة". أو ملاحظة ثيودور درايزر: «الآلة الكاتبة ضجيجها وطبيعتها الميكانيكية يعطلان تدفقي الإبداعي".

وكان الكاتب الأمريكي الساخر، مارك توين، من أوائل الكتّاب الذين استخدموا الآلة الكاتبة (اشترى آلة Remington عام 1874)، لكنه سرعان ما عبّر عن نفوره منها، حين كتب في سيرته الذاتية (1904) أنها "مليئة بالأهواء، مليئة بالعيوب، عيوب شيطانية"، وإنه بعد سنة أو سنتين "وجدتُ أنها تُهين شخصيتي".

الأكثر تطرفا، أن بعض الكتّاب في العصر الفيكتوري، كانوا يرفضون استقبال الرسائل الشخصية المكتوبة بالآلة الكاتبة، لأن المتلقي كان يشعر أن المُرسِل يعامله كعميل تجاري، أو يفترض أنه أميٌّ لا يستطيع قراءة الخط اليدوي، أو لا يريد أن يعيره التقدير الكافي بأن يخط له بيديه رسالة مكتوبة ومُعطرة ومزينة برسم يده.

الذكاء الاصطناعي يقتحم الساحة

رغم ما بين ظهور الآلة الكاتبة وتطبيقات الذكاء الاصطناعي من اختلاف جذري يتعلق بمكان التهديد في عملية الكتابة.. إلا أنهما يجتمعان في مشترك واحد، أنهما "تقنية جديدة" في عالم التأليف والكتابة.. وأنه مع كل تقنية جديدة، من الريشة إلى القلم، ومن القلم إلى الآلة الكاتبة، ومنها إلى الكمبيوتر والذكاء الاصطناعي، يخشى الإنسان دائماً في كل حقبة أن تسرق الآلة إنسانية الفن.

حدث هذا فعلا مع الفيلسوف فريدريك نيتشه، الذي كان من أوائل المفكرين الذين استخدموا الآلة الكاتبة (بسبب تدهور بصره الشديد)، ولكنه لاحظ بوضوح كيف أثرت الآلة على طريقة تفكيره. ولاحظ أصدقاؤه أن أسلوبه أصبح أكثر صرامة واقتضاباً بعد استخدامه للآلة، وهو ما وثقه بنفسه عام 1882، حين كتب عبارته الشهيرة: "أدوات الكتابة الخاصة بنا تشارك في صياغة أفكارنا".

إذن هل سيقتحم الذكاء الاصطناعي عالم الكتابة؟ في الحقيقة هذا سؤال تجاوزه الزمن، هذا المقال نفسه ما كان ليُكتب بهذا الزخم المعلوماتي لولا الاستعانة باجتهادات وترشيحات ومعالجات الذكاء الاصطناعي، ولا أقصد هنا المساعدة في عملية جمع المعلومات وحسب، بل حتى في فلسفة المعالجة وعرض الفكرة وتسلسلها.

وإذا كان كتّاب العصر الفيكتوري يهتمون كثيرا للسؤال عند كل رسالة يتلقونها: هل هي خطية أم آلية، فإن هذا السؤال اليوم لا معنى له على الإطلاق.. وبالمثل، فإن إضاعة الوقت عند قراءة مقال كاتب في البحث عن إمكانية اعتماده على الذكاء الاصطناعي في كتابته، هو جهد عبثي لا معنى له.

بل الأكثر صدمة، أنه في عالم الكتابة اليوم، فإن التوظيف المُتقن لتقنيات الذكاء الاصطناعي يعتبر قيمة حاسمة للكتّاب والمبدعين، ومُعينا غير مسبوق لكل نص إبداعي أو فلسفي فريد.. ووسيلة تطوي لك المعرفة الإنسانية جمعاء في تطبيق حاسوبي بإعجاز من الاتصال المعرفي لم يشهد مثله البشر في أي وقت من الأوقات.

الحاصل، شئنا أم أبينا، أن كل نص لا يعتمد اليوم على تقنيات الذكاء الاصطناعي، هو نص متأخر من عصر قديم، وأن المقال المصنوع بشريا بالكامل هو نوستالجيا، كالصحيفة التي يشتريها القارئ وفاء لذكرى عادة أبيه كل جمعة، لكنه يسمع الأخبار في التلفاز ويقرأها على الهاتف.

اليوم، في كل مرة تقرأ مقالا أو بحثا أو أطروحة عليها اسم باحث أو كاتب، ركز على الاستمتاع بفن إخفاء حضور الآلة، وقدرة الكاتب في إسباغ روحه على ما جمعه من معلومات في سرد متماسك له روح، وكن شاهدا بنفسك على لحظة تطور الإبداع الكتابي من شكله القديم، إلى نسخته الجديدة المفعمة بالمعلومات والشواهد، ودرّب نفسك على قبول الآلة في مصادر معارفك، فالمقال الذي لا "ذكاء اصطناعي" فيه اليوم، كديناصور يحتضر والنيزك من فوقه، وانقراضه ليس سوى مسألة وقت.